ـ وهذا الحديث في صوم الفريضة, وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم:"إنكم قد دنوتم من عدوكم, والفطر أقوى لكم": أن علة الأمر بالفطر هنا أمرٌ آخر غير السفر, وأنها: التقوي على قتال العدو إذ ممّا لا شك فيه أن المفطر يجد من نفسه قوة على القتال أكثر من تلك التي يجدها حال الصوم .
* وقد روى الإمام مالك_ رحمه الله_ في موطئه عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ الناسَ في سفره عام الفتح بالفطر, وقال:"تقووا لعدوكم ..."الحديث (1) .
وهو ظاهر في أن علة الأمر بالفطر: التقوّي على لقاء العدو بأخذ أسباب ذلك, والتي هي هنا: الفطر .
قال الزرقاني_ رحمه الله_: [ قال:"تقووا لعدوكم": بمنزلة التعليل للأمر, كأنه قيل لأجل أن تقووا لملاقاة عدوكم ] (2) .
قال الجصاص_ رحمه الله_: [ فذكر_ أيضًا_ في هذا الحديث علة أمره بالإفطار, وأنها كانت لأنه أقوى لهم على قتال عدوهم, وذلك لأن الجهاد كان فرضًا عليهم, ولم يكن فعل الصوم في السفر فرضًا, فلم يكن جائزًا لهم ترك الفرض لأجل الفضل ] (3) .
ـ والعلة التي ذكرها الجصاص, وهي: التقوي على قتال العدو: متحققة في الفطر في الحضر كتحققها في الفطر في السفر لما ذكرناه من أن المفطر مطلقًا_ في السفر أو الحضر_ يجد من نفسه قوة على القتال أكثر من تلك التي يجدها حال الصوم .
(1) "الموطأ1/294".
(2) "شرح الزرقاني2/224".
(3) "أحكام القرآن الجصاص1/266".