فهرس الكتاب
وقد قال الشوكاني_ رحمه الله_: [ قوله:"إنكم قد دنوتم من عدوكم, والفطر أقوى لكم", فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو: أولى لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو, ولهذا كان الإفطار أولى ولم يتحتم, وأما إذا كان لقاء العدو متحققًا: فالإفطار عزيمة لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران لاسيما عند غليان مراجل الضراب والطعان, ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين, وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين ] (1) .
ولذلك نقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم:"والفطر أقوى لكم": وصف منطبق على الفطر مطلقًا, أي: سواء كان الفطر في السفر أو الحضر إذ الفرق بين السفر, والحضر هنا: فرق غير مؤثر لأن الصوم مضعف عن المنازلة مطلقًا .
ـ ويؤكد هذا, ويوضحه ما يلي:
أولًا:
بعد قوله صلى الله عليه وسلم:"إنكم مصبحو عدوكم, والفطر أقوى لكم: فأفطروا", قال أبو سعيد:"وكانت عزمة: فأفطرنا ...".
ومن المعلوم أن الفطر في السفر: رخصة لا عزمة فيه عند جماهير العلماء, فوجب كون هذه العزمة لعلة أخرى غير السفر, وهي ما صرح به عليه السلام بقوله:"إنكم مصبحو عدوكم, والفطر أقوى لكم: فأفطروا".
وفي رواية عن أبي سعيد, قال:"خرجنا عام الفتح صوامًا حتى بلغنا الكديد, فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر, وأصبح الناس: منهم الصائم, ومنهم المفطر حتى إذا بلغنا الظهران, آذننا بلقاء العدو, وأمرنا بالفطر: فأفطرنا أجمعين" (2) .
ثانيًا:
(1) "نيل الأوطار4/308","عون المعبود7/31".
(2) "التمهيد لابن عبد البر22/51","الترمذي4/198".