وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما بل فعل الحسنة: مستلزم لوقوع السيئة، وترك السيئة: مستلزم لترك الحسنة: فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة, ومضرة السيئة .
فالأول: كالواجب والمستحب، وكفرض العين وفرض الكفاية مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع .
والثاني: كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين, وتقديم نفقة الوالدين عليه كما في الحديث الصحيح:"أي العمل أفضل ؟ ."
قال: الصلاة على مواقيتها, قلت: ثم أي ؟ .
قال: ثم بر الوالدين, قلت: ثم أي ؟ .
قال: ثم الجهاد في سبيل الله" (1) ."
وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ] (2) .
ـ ومن صور تقديم الجهاد المتعين على النفقة المتعينة: ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ بقوله:
[ من الواجبات ما يُقدّم على وفاء الدين: كنفقة النفس, والزوجة, والولد الفقير, ومنها: ما يُقدّم وفاء الدين عليه: كالعبادات من الحج, والكفارات, ومنها: ما يُقدّم عليه إلا إذا طولب به: كصدقة الفطر, فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر الصف: قُدّم على وفاء الدين كالنفقة, وأولى, وإن كان استنفار: فقضاء الدين أولى إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه .
ولذلك قلت: لو ضاق المال عن إطعام جياع, والجهاد الذي يتضرر بتركه: قدّمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى, فإنّا هناك نقتلهم بفعلنا, وهنا يموتون بفعل الله ] (3) .
ــ وبهذا العرض: يظهر لنا أن الجهاد عند تعينه يقدم على غيره من الواجبات العينية من أركان الإسلام, ومبانيه العظام_ والتي هي أعلى منه رتبة في الأصل_ فضلًا عن غيرها من الواجبات التي دونها في الرتبة, وما هذا إلا تعظيمًا, وتفخيمًا, واهتمامًا من الشارع بأمر الجهاد عند تعينه .
(1) سبق تخريجه .
(2) "الفتاوى20/51"
(3) "الفتاوى الكبرى4/608".