ولذا: فإن الجهاد في سبيل الله يتربع على قمة هرم مراتب الأعمال عند أهل الطائفة المنصورة, وأنه عندهم كما وصفه الذي لا ينطق عن الهوى إن هوى إلا وحي يوحى صلوات ربي وسلامه عليه:"ذروة سنام الإسلام" (1) .
( والذروة من كل شيء: أعلاه, وسنام الشيء: أعلاه, فالجمع بينهما هنا: للمبالغة ) (2) , فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: الجهاد في أعلى عليين من أعمال الإسلام ! .
فإذا تعين الجهاد: فهو شغل أهل الطائفة المنصورة الشاغل الذي لا يُقدّم عليه أي عمل من الأعمال أيًا كانت تلك الأعمال: سواء كانت من الواجبات الكفائية أو حتى من الواجبات العينية التي لا يمكن الجمع بينها وبين الجهاد, فالجهاد عند تعينه: هو المقدم أبدًا إذ هو: فريضة الوقت, وواجب الحال .
فلا يُقعد أهلَ الطائفة المنصورة عن الانشغال بالجهاد المتعين: علمٌ أو دعوةٌ أو تصنيفٌ أو تحقيقٌ أو غيرُ ذلك من الأعمال, والأنشطة التي غايتها أن تكون فرض كفاية ولو فرض تعينها في حق البعض فإنها لا تُقدّم على الجهاد المتعين بأي حال من الأحوال عند عدم إمكان الجمع بينها وبينه .
ـ هذا مع كون هذه الأعمال الهامة من الواجبات الكفائية المذكورة إذا شغل الجهادُ العبدَ عن القيام بها لعدم إمكان الجمع بينها وبينه: فإنها في هذه الحالة تخرج في حقه هو عن مرتبة الوجوب .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه_ رحمه الله_: [ إذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما: لم يكن الآخر في الحال: واجبًا, ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد: تاركَ واجب في الحقيقة ] (3) .
(1) سبق تخريجه .
(2) "فيض القدير3/561".
(3) "الفتاوى20/57".