قيل: ننكر ذلك لاستحالته, وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سببًا لتفقه المتخلفة: وجب أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم, وترك التفقه, وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا: لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه .
وبعد, فإنه قال جل ثناؤه: { ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } : عطفًا به على قوله: { ليتفقهوا في الدين } , ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها, وللإنذار وخوف الوعيد: نفرت فما وجه إنذار الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة, وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما, ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى: لكان أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة لأنها قد عاينت من قدرة الله, ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة, ولكن ذلك_ إن شاء الله_ كما قلنا من أنها تنذر من حيها, وقبيلتها, ومن لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك ] (1) .
ــ قلت: وقد ورد في كتاب الله تعالى ما يدل على أن أهل الجهاد: هم أولى الناس بالفهم عن الله, وعن رسوله صلى الله عليه وسلم:
* قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلَنا وإنّ الله لمع المحسنين } [العنكبوت: 69 ] .
وهذه الآية وإن كان بعض المفسّرين قد ذهب إلى أنّ المراد بها: المعنى الأعمّ في الجهاد: فلا شك أن المعنى الخاص للجهاد والذي هو: القتال في سبيل الله: أول, وأظهر, وأوجب ما يدخل في معنى الآية, والمراد منها.
قال ابن جرير_ رحمه الله_: [ والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبًا من كفّار قريش، المكذّبين بالحقِّ لمّا جاءهم فينا مبتغين بقتالهم علوّ كلمتنا, ونصرة ديننا: لَنُوَفِّقَنَّهم لإصابةِ الطرق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام ] (2) .
(1) "تفسير الطبري11/69: 71".
(2) "تفسير الطبري21/15".