وقد عقد الإمام البخاري_ رحمه الله_ بابًا في كتاب الجهاد من صحيحه, فقال:"باب: الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر".
ثم ساق بسنده قولَه صلى الله عليه وسلم:"الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"الحديث (1) .
قال ابن حزم_ رحمه الله_:[مسألة: ويُغزى أهل الكفر مع كل فاسق من الأمراء، وغير فاسق، ومع المتغلب, والمحارب كما يُغزى مع الإمام، ويغزوهم المرء وحده إن قدر أيضًا، قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} .
وقد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول باب من كتاب الجهاد ههنا: السمع, والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية, وقال تعالى: {انفروا خفافًا وثقالًا} .
وقد علم الله تعالى أنه ستكون أمراء فسّاق: فلم يخصهم من غيرهم، وكل من دعا إلى طاعة الله في الصلاة المؤداة كما أمر الله تعالى، والصدقة الموضوعة مواضعها، المأخوذة في حقها، والصيام كذلك، والحج كذلك، والجهاد كذلك، وسائر الطاعات كلها: ففرض إجابته للنصوص المذكورة, وكل من دعا من إمام حق أو غيره إلى معصية: فلا سمع، ولا طاعة] (2) .
ـ وإن كان هذا جائزًا في حق المتبوع, حامل الراية, المُقاتَل خلفه, والمُتقَى به: فجوازه, ومشروعيته في حق التابع: أولى بلا شك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: الغزو مع كل بر وفاجر, فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر, وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور: فإنه لا بد من أحد أمرين:
إمّا ترك الغزو معهم: فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررًا في الدين.
وإمّا الغزو مع الأمير الفاجر: فيحصل بذلك دفع الأفجرين, وإقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها.
(1) "صحيح البخاري 3/ 1048".
(2) "المحلى 7/ 299".