رمتهم العرب, واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة, وصاحوا بهم من كل جانب، والله يأمرهم بالصبر, والعفو, والصفح حتى قويت الشوكة, واشتد الجناح: فأَذِن لهم حينئذ في القتال] (1) .
وقال ابن كثير_ رحمه الله_: [كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة, والزكاة_ وإن لم تكن ذات النُصب_، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح, والعفو عن المشركين, والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون, ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم, ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة: منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض, فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار, ومنعة, وأنصار] (2) .
وقال_ أيضًا_:[وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمر المسلمون_ وهم أقل من العشر_ بقتال الباقين: لشق عليهم ...
فلما استقروا بالمدينة, ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره, وصارت لهم دار إسلام, ومعقلًا يلجؤون إليه: شرع الله جهاد الأعداء] (3) .
ــ ومن الأوجه التي يتقرر بها_ أيضًا_ إناطة الجهاد بالقدرة, والاستطاعة: ما جاءت به الشريعة من وجوب الثبات إذا كان العدو ضعف عدد المسلمين, فإن زاد على ذلك: جاز الفرار:
قال الإمام الشافعي_ رحمه الله_: [إذا غزا المسلمون, فلقوا ضعفهم من العدو: حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة.
(1) "زاد المعاد 3/ 70".
(2) "تفسير ابن كثير 1/ 526".
(3) "تفسير ابن كثير 3/ 226".