وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم: لم أحب لهم أن يولوا, ولا يستوجبون السخط عندي من الله لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة لأن بيّنا أن الله عز وجل إنما يوجب سخطه على من ترك فرضه، وأن فرض الله عز وجل في الجهاد: إنما هو على أن يجاهد المسلمون ضعفهم من العدو] (1) .
وقال ابن قدامة_ رحمه الله_: [إذا التقى المسلمون, والكفار: وجب الثبات, وحرم الفرار بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار} , وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} , وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الفرار يوم الزحف, فعدّه من الكبائر ...
وإنما يجب الثبات بشرطين؛ أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين, فإن زادوا عليه: جاز الفرار لقول الله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} .
وهذا إن كان لفظه لفظ الخبر, فهو أمر بدليل قوله: {الآن خفف الله عنكم ... } , ولو كان خبرًا على حقيقته لم يكن ردنا من غلبة الواحد للعشرة إلى غلبة الاثنين تخفيفًا, ولأن خبر الله تعالى صدق لا يقع بخلاف مخبره وقد علم أن الظفر والغلبة لا يحصل للمسلمين في كل موطن يكون العدو فيه ضعف المسلمين فما دون؛ فعُلم أنه أمر وفرض, ولم يأت شيء ينسخ هذه الآية لا في كتاب, ولا سنة, فوجب الحكم بها, قال ابن عباس:"نزلت: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} : فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة ثم جاء تخفيف, فقال: {الآن خفف الله عنكم_ إلى قوله_ يغلبوا مائتين} , فلما خفف الله عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف الله من العدد", رواه أبو داود (2) .
وقال ابن عباس:"من فر من اثنين: فقد فر, ومن فر من ثلاثة: فما فر".
(1) "الأم 4/ 169".
(2) "سنن أبي داود 3/ 46".