وقيل: إن هذه الآية نزلت في موسم بدر الصغرى, فإن أبا سفيان لما انصرف من أحد, واعد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: موسم بدر الصغرى, فلما جاء الميعاد: خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبًا, فلم يحضر أبو سفيان, ولم يتفق قتال, وهذا على معنى ما قاله مجاهد كما تقدم في آل عمران .
ووجه النظم على هذا, والاتصال بما قبل: أنه وصف المنافقين بالتخليط, وإيقاع الأراجيف ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم, وبالجدّ في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك ] (1) .
وقد سبق معنا قول ابن حزم_ رحمه الله_: [ قال تعالى: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } : وهذا خطاب متوجه إلى كل مسلم, فكل أحد: مأمور بالجهاد وإن لم يكن معه أحد ] (2) .
وقال_ أيضًا_ رحمه الله_: [ يُغزى أهلُ الكفر مع كل فاسق من الأمراء وغير فاسق, ومع المتغلب والمحارب كما يغزى مع الإمام, ويغزوهم المرءُ وحده إن قدر أيضًا ] (3) .
فنص هؤلاء العلماء_ انتزاعًا من الآية السابقة_ على جواز قتال المرء وحده, وهو ظاهر في كون القدرة التي يغلب معها ظن الظفر: شرط وجوب لا شرط صحة, وإن جاز هذا في قتال الطلب: فلا شك أن جوازه أولى في قتال الدفع .
ــ وممّا يدل على أن القدرة, والاستطاعة في الجهاد: شرط وجوب لا شرط صحة:
* ما ورد في قصة عمرو بن الجموح_ رضي الله عنه_، وقد"كان رجلًا أعرج شديد العرج, وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد: أرادوا حبسه, وقالوا: إن الله قد عذرك ."
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: إن بنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه, والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة .
(1) "تفسير القرطبي5/292: 293".
(2) "المحلى7/351".
(3) "المحلى10/99".