فتأمّل كيف أن هذه المخالفة البسيطة في نظر الكثيرين: موجبة لتنافر القلوب, وتناكرها ممّا يُؤذن بالاختلاف والفرقة المؤذنَيْن بالعداوة, والبغضاء، والله المستعان .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ فظهر أن سبب الإجتماع والألفة: جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به باطنًا وظاهرًا، وسبب الفرقة: ترك حظ ممّا أُمِرَ العبادُ به, والبغي بينهم ] (1) .
وقال_ أيضًا_ رحمه الله_: [ وأما الحقوق العامة، فالناس نوعان: رعاة، ورعية، فحقوق الرعاة: مناصحتهم، وحقوق الرعية: لزوم جماعتهم، فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم وهم لا يجتمعون على ضلالة بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم, واعتصامهم بحبل الله ] (2) .
ــ وقد بيّن الشرع أن الاجتماع وسيلة للقيام بالدين لا غاية يوقف عندها مع ضياع الدين وذهابه:
* قال تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا } .
فأمر تعالى أولًا بالاعتصام بالكتاب والسنة ثم نهى بعد ذلك عن التفرق: فعُلم أن التفرق المنهي عنه إنما هو التفرق في إقامة الدين من أهله المعتصمين بحبل الله: كتابًا وسنة .
قال ابن جرير_ رحمه الله_ في تفسيره لهذه الآية السابقة: [ يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق, والتسليم لأمر الله] (3) .
وقال_ رحمه الله_ أيضًا_ في قوله تعالى: { ولا تفرقوا } : [ يعني جل ثناؤه بقوله: { ولا تفرقوا } ، ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته، وطاعة رسوله، والانتهاء إلى أمره ] (4) .
(1) "فتاوى ابن تيمية1/17".
(2) "فتاوى ابن تيمية1/18".
(3) "تفسير الطبري4/31"
(4) "تفسير الطبري4/32".