فهرس الكتاب
ـ قال القرطبي_ رحمه الله_:[ فإن قيل: إن قوله: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } : كان يكفي, فلم خص الرمي, والخيل بالذكر ؟ .
قيل له: إن الخيل لما كانت أصل الحروب, وأوزارها التي عقد الخيرُ في نواصيها, وهي أقوى القوة, وأشد العدة, وحصون الفرسان, وبها يجال في الميدان: خصها بالذكر تشريفًا, وأقسم بغبارها تكريمًا, فقال: {والعاديات ضبحا } , الآية .
ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب, والنكاية في العدو, وأقربها تناولًا للأرواح: خصّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لها, والتنبيه عليها, ونظير هذا في التنزيل: { وجبريل وميكال } , ومثله كثير ] (1) .
وقد قال الصنعاني_ رحمه الله_ في شرحه لحديث عقبة بن عامر السابق:
[ أفاد الحديث تفسير القوة في الآية بالرمي بالسهام لأنه المعتاد في عصر النبوة، ويشمل: الرمي بالبنادق للمشركين, والبغاة، ويؤخذ من ذلك شرعية التدرب فيه لأن الإعداد إنما يكون مع الاعتياد إذ من لم يحسن الرمي لا يسمى معدًّا للقوة ] (2) .
ـ قلت: وقد دلّ قوله تعالى: { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ الله يَعْلَمُهُمْ } : على أن القوة المادية من العُدة, والعَتاد هي التي تُرهب الأعداء على اختلاف أصنافهم, وتذهب وساوس شياطينهم .
قال ابن جرير الطبري_ رحمه الله_: [ تُخيفون بإعدادكم ذلك: عدوَّ الله, وعدوَّكم من المشركين ] (3) .
وعن ابن عباس_ رضي الله عنهما_:" { ترهبون به عدو الله وعدوكم } , قال: تُخزون به عدوَّ الله, وعدوكم" (4) .
ــ وفي تقييد الأمر بإعداد القوة بالاستطاعة في قوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } : إشارة إلى أمرين هامين؛ الأول:
(1) "تفسير القرطبي8/37".
(2) "سبل السلام4/72".
(3) "تفسير الطبري10/29".
(4) "تفسير الطبري10/30".