فهرس الكتاب
قال القرطبي_ رحمه الله_:[ قوله تعالى: { وهو كره لكم } : ابتداءٌ, وخبر, وهو كره الطباع ...
وإنما كان الجهاد كرهًا: لأن فيه إخراج المال, ومفارقة الوطن, والأهل, والتعرض بالجسد للشجاج, والجراح, وقطع الأطراف, وذهاب النفس, فكانت كراهيتهم لذلك لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى ...
قوله تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئًا } , قيل:"عسى"بمعنى: قد, وقيل: هى واجبة, و"عسى"من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } .
وقال أبو عبيدة: عسى من الله: إيجاب, والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من مشقة, وهو خير لكم في أنكم تغلبون, وتظفرون, وتغنمون, وتؤجرون, ومن مات: مات شهيدًا .
وعسى أن تحبوا الدعة, وترك القتال, وهو شر لكم في أنكم تُغلبون, وتذلون, ويذهب أمركم .
قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس: تركوا الجهاد, وجبنوا عن القتال, وأكثروا من الفرار: فاستولى العدو على البلاد_ وأيّ بلاد !_, وأسر, وقتل, وسبى, واسترق, فإن لله وإنا إليه راجعون ذلك بما قدمت أيدينا, وكسبته .
وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة, فلربّ أمر تكرهه: فيه نجاتك, ولربّ أمر تحبه: فيه عطبك .
وأنشد أبو سعيد الضرير: ربّ أمر تتقيه جرّ أمرًا ترتضيه خفى المحبوب منه وبدا المكروه فيه ] (1) .
وقال الشوكاني_ رحمه الله_:[ المعنى: عسى أن تكرهوا الجهاد لما فيه من المشقة وهو خير لكم, فربما تغلبون, وتظفرون, وتغنمون, وتؤجرون, ومن مات: مات شهيدًا .
وعسى أن تحبوا الدعة, وترك القتال وهو شر لكم, فربما يتقوى عليكم العدو: فيغلبكم, ويقصدكم إلى عقر دياركم: فيحل بكم أشد ممّا تخافونه من الجهاد الذي كرهتم مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة, والآجلة, والله يعلم ما فيه صلاحكم, وفلاحكم وأنتم لا تعلمون ] (2) .
(1) "تفسير القرطبي3/38: 39".
(2) "فتح القدير1/216".