ـ وهنا لفتة هامة: وهي أنه ليس المراد بالمحافظة على جيش المسلمين واستنقاده من الهلاك: المعنى السلبي, المتمثل في الضن بالنفس عن البذل, والتضحية في سبيل الله كما قد يتوهم ضَيِّقُ العطن بل المراد هنا: المعنى الإيجابي, المتمثل في عدم ضياع قوة المسلمين بغير فائدة عائدة على الدين, وإدخار هذه القوة لنفع الدين فيما بعد .
ولذلك؛ لمّا قال المنسحبون:"نحن الفرارون ."
قال لهم صلى الله عليه وسلم: بل أنتم العكارون, وأنا فئتكم" (1) ."
ومعنى قوله:"بل أنتم العكارون": [ أي: أنتم العائدون إلى القتال, والعاطفون, يقال: عكرت على الشيء إذا عطفت عليه, وانصرفت إليه بعد الذهاب عنه ] (2) .
ورغم أنه لم يتحقق نصر مادي للمسلمين بل كان الانحياز, والرجوع عن القتال_ وهو في ظاهره مفسدة كما سبق_ إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ما فعله خالد_ رضي الله عنه_: فتحًا بل وسمى خالدًا بناء على فعله هذا: سيفًا من سيوف الله .
قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_:[ اختلف أهل النقل في المراد بقوله:"حتى فتح الله عليه"...
قال العماد ابن كثير: يمكن الجمع بأن خالدًا لما حاز المسلمين وبات ثم أصبح وقد غَيَّر هيئة العسكر كما تقدم، وتوهم العدو أنهم قد جاء لهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا: فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى ] (3) .
(1) "الترمذي4/215","مصنف ابن أبي شيبة6/541","البيهقي الكبرى9/76".
(2) "تحفة الأحوذي5/309".
(3) "فتح الباري7/513: 514".