قال العز بن عبد السلام_ رحمه الله_: [ التولي يوم الزحف: مفسدة كبيرة، لكنه واجب إذا عَلِمَ أنه يُقْتلُ من غير نكاية في الكفار لأن التغرير في النفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية: وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هاهنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة ] (1) .
وقال ابن جزي_ رحمه الله_:[ لا يجوز الانصراف من صف القتال إن كان فيه انكسار المسلمين، وإن لم يكن: فيجوز لمتحرف لقتال أو متحيز إلى فئة، والتحرف للقتال هو أن يظهر الفرار وهو يريد الرجوع مكيدة في الحرب، والتحيز إلى الجماعة الحاضرة: جائز، واختلف في التحيز إلى جماعة غائبة من المسلمين أو مدينة .
ولا يجوز الانهزام إلا إذا زاد الكفار على ضعف المسلمين، والمعتبر العدد في ذلك على المشهور، وقيل: القوة .
وقيل: إذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا: لم يحل الانهزام ولو زاد الكفار على الضعف .
وإن علم المسلمون أنهم مقتولون: فالانصراف أولى, وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو: وجب الفرار، وقال أبو المعالي: لا خلاف في ذلك ] (2) .
ــ وقد أجاز جماهير أهل العلم_ كما مرّ معنا_ للرجل أن يحمل وحده على العدد الكثير أو الجماعة من الكفار ما لم تكن مفسدة ذلك أكثر من مصلحته .
قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_:[ وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو, فصرّح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته, وظنه أنه يُرهب العدو بذلك أو يُجرّئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة: فهو حسن .
ومتى كان مجرد تهور: فممنوع, ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين, والله أعلم ] (3) .
(1) "قواعد الأحكام1/95".
(2) "القوانين الفقهية/98".
(3) "فتح الباري8/186".