وقال الغزالي_ رحمه الله_: [ ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز: فذلك حرام داخل تحت عموم آية التهلكة, وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته, واعتقادهم في سائر المسلمين: قلة المبالاة, وحبهم للشهادة في سبيل الله: فتنكسر بذلك شوكتهم ] (1) .
وقال الشوكاني_ رحمه الله_: في تفسير قوله تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [ البقرة_ 195] , قال:
[ فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا: فهو داخل في هذا, وبه قال ابن جرير الطبري، ومن جملة ما يدخل تحت الآية: أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص, وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين ] (2) .
ــ ومن صور الموازنة بين المصالح, والمفاسد هنا_ كذلك_: ما قرره أهل العلم من جواز موادعة الكفار ولو على مال يدفعه المسلمون ضرورة ضعف المسلمين, وعجزهم عن قتالهم .
قال الإمام أبو حنيفة_ رحمه الله_:[ لا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا كان بالمسلمين عليهم قوة، وإن لم يكن بالمسلمين قوة عليهم: فلا بأس بالموادعة ...
وإذا خاف المسلمون المشركين, فطلبوا موادعتهم, فأبى المشركون أن يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالًا: فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة .
قال السرخسي_ رحمه الله_:
لأنهم لو لم يفعلوا وليس بهم قوة دفع المشركين: ظهروا على النفوس والأموال جميعًا، فهم بهذه الموادعة يجعلون أموالهم دون أنفسهم ... ] (3) .
وقال الإمام الشافعي_ رحمه الله_: [ إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين أو طائفة منهم لبعد دارهم أو كثرة عددهم أو خلة بالمسلمين أو بمن يليهم منهم: جاز لهم الكف عنهم, ومهادنتهم على غير شيء يأخذونه من المشركين ...
(1) "إحياء علوم الدين2/319".
(2) "فتح القدير1/193".
(3) "شرح السير الكبير5/3: 5".