قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ فجعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيل الله, وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، وفي دفع ما يبغضه من الكفر, والفسوق, والعصيان ] (1) .
ــ فليس المجاهدون أهل الطائفة المنصورة بقوم ضاقت عليهم أنفسهم فتبرموا بها وأرادوا لها خلاصًا أو قوم سُدّت عليهم سبل العيش أوسع ما كانت وأرحب أو أسرى عاهات نفسية تعشق الموت لذاته, وتسعى له وقد رأت الدنيا سوداء, مظلمة, كلا_ والله_, وإنما هم: قوم عرفوا واجبهم, ولم يتعللوا بعلل واهية لإسقاط هذا الواجب كما لم يخادعوا أنفسهم ويُعللوها بالوهم, وسراب الأماني بل هانت عليهم أنفسهم في ذات الله, ولمحوا العاقبة, وأيقنوا بها؛ فآثروا الباقية على الفانية, والآجلة على العاجلة: فكان منهم المسارعة لبذل الغالي والرخيص, والنفس والنفيس حبًا لمولاهم, وتحننًا له, وقد رأوا أن الدنيا كل الدنيا أحقر من أن تُقعدهم عن نيل محبة الله ورضاه: { يحبهم ويحبونه } ؛ فجادوا بها سمحةً بها نفوسُهم طيبةً, مسرورةً يوم أن ضنّ بها, وتكالب عليها الخلق جميعًا_ إلا من رحم ربي_ خاصتهم قبل عامتهم ثم هم قبل ذلك, وبعده: أسعد بالدليل من غيرهم بل ليس عند غيرهم غير البنيّات ! .
وقد أحسن القائل:
وعيّرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
ـ وتأمّل قوله تعالى في آية المائدة السابقة: { ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } : توقن أن الجهاد في سبيل الله ليس عملية هروب تبتغي الأيسر أو ضربًا من الانتقائية المزاجية العشواء, وإنما هو: { فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } .
وفضل الله ذاك لا يُوفق له كل أحد إذ هو: { فضل الله } ؛ فأهله: هم المصطفون الأخيار, المُفضلون على غيرهم من العالمين, والله أعلم حيث يضع فضله, ومنته .
(1) "الفتاوى10/191".