فالنصوص تبين_ قطعًا_ أن ( العذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده، فهو عذاب الدنيا, عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح، والغلبة عليهم للأعداء، والحرمان من الخيرات, واستغلالها للمعادين، وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس, والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد، ويُقدّمون على مذبح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء, وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل؛ فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء ) (1) .
قال ابن القيم_ رحمه الله_: [ كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده: وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده, ولا بد حتى في الأعمال، فمن رغب عن العمل لوجه الله وحده: ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضرّه, ونفعه, وموته, وحياته, وسعادته بيده: فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئًا من ذلك، وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله: ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم، وكذلك من رغب عن التعب لله: ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بدّ، وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي: ابتلي بكناسة الآراء, وزبالة الأذهان, ووسخ الأفكار ] (2) .
وقرر نفس المعنى الشيخ عبد الرحمن السعدي_ رحمه الله_, فقال: [ لمّا كان من العوائد القدسية, والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن الانتفاع به ولم ينتفع: ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن: ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله, وخوفه, ورجاءه: ابتلي بمحبة غير الله, وخوفه, ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله: أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذلّ لربه: ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق: ابتلي بالباطل ] (3) .
(1) "في ظلال القرآن/1655".
(2) "مدارج السالكين1/165".
(3) "تفسير السعدي/21".