ــ وقد جعل الله سبحانه وتعالى فلاح العباد, ونجاتهم في الدنيا, والآخرة محصورًا في معرفة الحق، والعمل به، وبقدر نصيب العبد من تحقيق هذين الأصلين_معرفة الحق، والعمل به_: يكون نصيبه من الفلاح, والنجاة في الدنيا والآخرة، وبقدر بعده عن تحقيق هذين الأصلين: يكون نصيبه من الخسران في الدنيا, والآخرة إذ الخسران: عدم معرفة الحق أو عدم العمل به .
ولذا جعل تعالى_ بمنه، وكرمه، ولطيف صنعه_: ديدن المؤمنين، وشغلهم الشاغل طلبَ تحقيق هذين الأصلين فيما يرددونه في اليوم والليلة عدة مرات من طلب هداية الصراط المستقيم كما في سورة الفاتحة إذ الصراط المستقيم بأجمع قول وأدقه: معرفة الحق، والعمل به .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_ في تفسيره لأم الكتاب:
[ قال تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ، أي: دلنا, وأرشدنا, ووفقنا إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو: معرفة الحق, والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط؛ فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان, والهداية في الصراط: تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا, وعملًا .
فهذا الدعاء: من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته لضرورته إلى ذلك .
وهذا الصراط المستقيم: هو { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، {غَيْرِ } صراط { الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم، و { لا } صراط { الضَّالِّينَ} الذين تركوا الحق على جهل, وضلال كالنصارى, ونحوهم .
ثم قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:
فهذه السورة على إيجازها قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن ...