إنَّ نَفْسَ إعْرَاضِه عن الجهادِ الواجبِ، ونُكُولَه عنه، وضَعْفَ إيمانِه، ومَرَضَ قلبِه الذي زَيَّنَ له تَرْكَ الجهاد: فِتْنةٌ عظيمةٌ قد سَقَطَ فيها، فكيف يَطْلُبُ التَّخَلُّصَ مِنْ فِتْنةٍ صَغيرةٍ لم تُصِبْه بِوُقُوعِه في فتنةٍ عظيمةٍ قد أصَابَتْهُ؟! ...
فَمَنْ تَرَكَ القِتَالَ الذي أمَرَ الله به لئلا تكون فتنةٌ: فهو في الفتنةِ سَاقطٌ لِمَا وقع فيه مِنْ رَيْبِ قَلْبِه، ومَرَضِ فؤادِه، وتَرْكِ ما أمَرَهُ الله به من الجهاد .
فتدبّر هذا, فإن هذا: مقام خطر؛ فإن الناس هنا: ثلاثة أقسام:
قسم: يأمرون, وينهون, ويقاتلون طلبًا لإزالة الفتنة التى زعموا, ويكون فعلهم ذلك: أعظم فتنة كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة .
وأقوام ينكلون عن الأمر, والنهى, والقتال الذى يكون به الدين كله لله, وتكون كلمة الله هى العليا لئلا يفتنوا, وهم قد سقطوا في الفتنة ] (1) .
وتأمّل قول شيخ الإسلام السابق: [ ويكون فعلهم ذلك: أعظم فتنة كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة ] : فالقتال الذي هو فتنة: هو القتال الذي يقع بين الأمة, أي: بين المسلمين بعضهم بعضًا كما حدث بين الصحابة_ رضي الله عنهم جميعًا_ لا الذي يقع بين الأمة, وأعدائها من الكفرة, والمرتدين ليكون الدين كله لله, وتكون كلمة الله هي العليا كما نص شيخ الإسلام عليه بقوله: [ وأقوام ينكلون عن الأمر, والنهى, والقتال الذى يكون به الدين كله لله, وتكون كلمة الله هى العليا لئلا يفتنوا, وهم قد سقطوا في الفتنة ] .
ــ وهنا نكتة هامة: وهو أن هؤلاء الذين سقطوا في الفتنة بقعودهم عن الجهاد: قد استئذنوا من النبي صلى الله عليه وسلم, فأذن لهم مُعرضًا عنهم, فكيف بحال من قعد عن الجهاد بغير استئذان ؟! .
(1) "الفتاوى28/167".