فهرس الكتاب
وأقل الناس دينًا، وأمقتهم إلى الله: من ترك هذه الواجباتِ، وإن زهد في الدنيا جميعِها، وقلَّ أن ترى منهم من يُحمرُ وجهُه, ويمعره لله, ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحابُ الكبائر أحسن حالًا عند الله من هؤلاء ] (1) .
ــ كذلك, فإن من مقتضى الإيمان الصادق: أن العبد إذا عرف من نفسه العجز أو الضعف عن القيام ببعض واجبات الدين كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والجهاد في سبيل الله: أن يفرح إذا قام بذلك غيره لا أن يثير الشبهات, ويُُروج الأباطيل دفاعًا عن تقصيره أو تخاذله, وتبريرًا لقعوده, ونفيًا لعجزه وضعفه .
قال ابن أبي العز_ رحمه الله_: [ وإن كان العبد عاجزًا عن معرفة بعض ذلك أو العمل به: فلا ينهى عمّا عجز عنه ممّا جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، ولكن عليه أن يفرح بقيام غيره به, ويرضى بذلك, ويودّ أن يكون قائمًا به ] (2) .
ــ إذًا؛ فمرض القلب بحب الدنيا, والتعلق بها (3) : هو أساس هذه الشبهات وخاصة عند ادعاء صاحبه أنه في أتم العافية إذ تحسين الظن بالنفس, وعدم اتهامها: هو وحده عند العارفين من أظهر علامات مرض القلب, فكيف إذا انضاف إليه ما سبق ذكره, وكيف إذا انضف إلى ذلك: الاعلاء من شأن النفس, والحال مع التطاول على الآخرين, وعدم إنصافهم بل وجعلهم مطية لإدراك حظ النفس .
وقد سبق معنا قول الإمام ابن القيم_ رحمه الله_: [ وهؤلاء_ مع سقوطهم من عين الله, ومقت الله لهم_ قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون؛ وهو: موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله: أقوى, وانتصاره للدين: أكمل ] (4) .
(1) "عدة الصابرين/121".
(2) "شرح العقيدة الطحاوية/16".
(3) انظر ما يأتي من الحديث عن"حب الدنيا"كمانع من موانع القيام بأمر الله في الفصل الختامي لهذه الرسالة .
(4) "إعلام الموقعين2/158".