فهرس الكتاب

الصفحة 1440 من 2063

وقوله: { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء } , يقول تعالى ذكره: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم, والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها من مباينة الكفار, ومعاداتهم, وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك: فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدو الله, فلما تبين له أنه عدو لله: تبرأ منه .

يقول تعالى ذكره: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله, فتبرءوا من أعداء الله من المشركين به, ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده, ويتبرءوا عن عبادة ما سواه, وأظهروا لهم العداوة, والبغضاء ] (1) .

وقال الشيخ حمد بن عتيق_ رحمه الله_: [ وها هنا نكتة بديعة في قوله: { إنا برءاء منكم وممّا تعبدون من دون الله } , وهي أن الله تعالي قدّم البراءة من المشركين العابدين غير الله علي البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين، فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم .

وهذا كقوله تعالى: { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسي ألا أكون بدعاء ربي شقيًا } , فقدّم اعتزالهم علي اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } , وقوله: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله } .

فعليك بهذه النكت، فإنها تفتح بابًا إلي عداوة أعداء الله، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلمًا بذلك إذ ترك دين جميع المرسلين .

ثم قال: { كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده } , فقوله: { بدا } , أي: ظهر, وبان .

(1) "تفسير الطبري28/62: 63".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت