فهرس الكتاب
وتأمّل تقديم العداوة علي البغضاء لأن الأولي أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة, والبغضاء، ولا بد_ أيضًا_ من أن تكون العداوة, والبغضاء: باديتين, ظاهرتين, بينتين .
واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب فإنها لا تنفع حتى تظهر آثارها، وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة, والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة, والبغضاء: ظاهرتين .
وأما إذا وجدت الموالاة, والمواصلة: فإن ذلك يدل علي عدم البغضاء, فعليك بتأمّل هذا الموضع فإنه يجلو عنك شبهات كثيرة ] (1) .
ـ قلت: وقد دل قوله تعالى: { وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده } : على أن هذه العداوة من المؤمنين للكفرين ليس لها من غاية, ولا نهاية تنتهي إليها إلا توبة الكافرين, أعداء الدين, وتحقيقهم للإيمان بالله وحده, ودون ذلك: خرط القتاد ! .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_ في قوله تعالى: { لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ } [التوبة:10] , قال: [ أي: لأجل عداوتهم للإيمان وأهله؛ فالوصف الذي جعلهم يعادونكم لأجله, ويبغضونكم: هو الإيمان: فذبوا عن دينكم, وانصروه, واتخذوا من عاداه: عدوًا, ومن نصره لكم: وليًا, واجعلوا الحكم يدور معه: وجودًا, وعدمًا, لا تجعلوا الولاية, والعداوة: طبعية تميلون بها حيثما مال الهوى, وتتبعون فيها النفس الأمارة بالسوء .
ولهذا, قال: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .
(1) "مجموعة التوحيد/376: 378".