فهرس الكتاب
"قُطع على أهل المدينة بعثٌ, فاكتتبت فيه, فلقيت عكرمة مولى ابن عباس, فأخبرته: فنهاني عن ذلك أشد النهي ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي السهم, فيرمى به, فيصيب أحدهم: فيقتله أو يضرب, فيقتل: فأنزل الله: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية" (1) .
قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_: [ وغرض عكرمة: أن الله ذم من كثر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم, قال: فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله ] (2) .
وقد ترجم الإمام البخاري_ رحمه الله_ لهذا الحديث في موضع آخر بقوله:"باب: من كره أن يُكثر سواد الفتن والظلم" (3) .
ـ ومن اللطائف هنا المؤكدة لكل ما سبق: ما جاء في تفسير قوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [ البقرة: 190] .
قال ابن العربي_ رحمه الله_:[ المسألة الخامسة: قوله تعالى: { وَلا تَعْتَدُوا } : فيه ثلاثة أقوال: ...
الثاني: أن معنى قوله تعالى: { وَلا تَعْتَدُوا } , أي: لا تقاتلوا على غير الدين كما قال تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } , يعني: دينًا ] (4) .
قال القرطبي_ رحمه الله_ في ذكر الأقوال الواردة في النهي هنا: { وَلا تَعْتَدُوا } , قال:
[ وقال قوم: المعنى: لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله: كالحمية, و كَسْبِ الذكر بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم, يعني: دينًا, وإظهارا للكلمة ] (5) .
(1) "البخاري4/1678".
(2) "فتح الباري8/263".
(3) "صحيح البخاري6/2596".
(4) "أحكام القرآن لابن العربي1/147: 148".
(5) "تفسير القرطبي2/350".