ــ وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذروة هذا اليقين, وتربع على سنامه, وكيف لا؟!!! , وهو صلوات ربي وسلامه عليه: المصطفى, الخليل, إمام الموقنين, وليس هذا فيما أخبر الله به من أمور الدين والإيمان فحسب بل في كل خبر, ووعد حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان موقنًا بأن الله سينصره, ويظهر دينه على الدين كله كما أخبر تعالى وهو ما يزال في أقسى مواقف الاضطهاد, والأذى، والبعد الشديد عن أي مظهر من مظاهر الظهور, والنصر, والتمكين, ولم يستبطئ صلوات ربي, وسلامه عليه النصر كما استبطأه رسلٌ من قبله, فقالوا: {متى نصر الله} ، ولم يستيئس كما استيأس بعضهم (1) , ولهذا ظهر من ثباته صلى الله عليه وسلم على أمر الله مع عظيم المحن, وكثرة الإحن, وهول الخطب: ما يُعجز عن وصفه.
* وقد سبق معنا حديث خباب بن الأرت_ رضي الله عنه_:"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة, فقلنا: ألا تستنصر لنا, ألا تدعو لنا؟."
فقال: قد كان من قبلكم: يؤخذ الرجل, فيُحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار, فيوضع على رأسه: فيجعل نصفين, ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه: فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم تستعجلون" (2) ."
* وتأمّل ما جاء في قصة هجرته صلى الله عليه وسلم مع سراقة بن مالك, وفيها, من قول سراقة نفسه وقد خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم:
(1) على أحد الأقوال في الآيات, والله تعالى أعلم.
(2) "البخاري3/ 1322, 6/ 2546".