ـ وتأمّل قوله تعالى: {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 24] .
فالآية مُصرّحة بأن"الصدق": من ركائز الثبات على أمر الله, ومعاقده الرئيسة التي يقوم عليها, فبهذا الصدق الذي رزقهم الله إياه: ثبتوا على أمر الله: فَوفَّوا بـ {مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ} , {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} .
فـ (لم يزالوا على العهد: لا يلوون, ولا يتغيرون, فهؤلاء: هم الرجال على الحقيقة, ومن عداهم؛ فصورهم: صور رجال, وأما الصفات: فقد قصرت عن صفات الرجال) (1) .
ولمّا تميزوا بصدقهم: جزاهم الله تعالى به, والجزاء من جنس العمل, ولهذا قال: {لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} , (أي: بسبب صدقهم في أقوالهم, وأحوالهم, ومعاملتهم مع الله, واستواء ظاهرهم, وباطنهم) (2) , فهذا الصدق: هو ما أثمر لهم_ منًّا من الله, وفضلًا_ الثبات, وهو ما يُجازون به!.
وقوله تعالى هنا: {لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} كقوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ... } الآية.
ـ ونحو آية الأحزاب السابقة: قوله تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1_3] .
فالذين صدقوا: هم_ بدلالة الآية_ الذين ثبتوا على أمر الله عند ورود الفتن, فبصدقهم: وفَّقَهم الله للثبات على أمره في وجه الفتن.
(1) "تفسير السعدي/481".
(2) "تفسير السعدي/481".