و(هذه الآية الكريمة: فيها التزهيد في الدنيا بفنائها, وعدم بقائها, وأنها متاع الغرور: تفتن بزخرفها, وتخدع بغرورها, وتغر بمحاسنها ثم هي منتقلة, ومنتقل عنها إلى دار القرار التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير, وشر؛ {فَمَنْ زُحْزِحَ} , أي: أخرج {عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} , أي: حصل له الفوز العظيم بالنجاة من العذاب الأليم, والوصول إلى جنات النعيم التي فيها ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر.
ومفهوم الآية: أن من لم يزحزح عن النار, ويدخل الجنة: فإنه لم يفز بل قد شقى الشقاء الأبدي, وابتلي بالعذاب السرمدي) (1) .
ودلّ قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} : على أن الموت شرعة مورودة ليس لأحد منها فكاك وإن مَلكَ أسبابَ السماء, والأرض.
فإذا علم العبد, وأيقن بأنه ليس فردًا في هذا الطريق, وأنه طريق العالمين كافة: لم يفزع من الموت, ولم يرهبه, ولم يثنه التهديد والتخويف به عن أمر الله, وإذا كان الموت لا ينزل إلا بقدر الله, وأجله المحدد الذي لا يُقدّم, ولا يُؤخر: لم يعد للتخويف بالموت, والتهديد به: أي معنى في نفسه ليترك أمر الله له, وقد قيل:
وما ينفع المستأخرين نكوصهم ولا ضرّ أهل السابقات التقدم (2)
وقال الآخر:
تأخرت استبقي الحياة فلم أجد لنفسي مثل أن أتقدم
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدّما (3)
(1) "تفسير السعدي/87: 88".
(2) "تفسير القرطبي8/ 27".
(3) انظر:"ديوان الحماسة1/ 61".