فهرس الكتاب
والنهي هنا عن خشية الناس, والأمر بخشية الله وحده: هو لورثة الأنبياء, والمرسلين: للعلماء حملة الأمانة, ومبلغيها عن الله بعد أنبيائه, ورسله حيث لا يتمكن العالِمُ من الثبات على أمر الله بأداء مهمته, وواجبه, والوفاء بالميثاق الذي أخذه الله عليه كما يُحب الله, ويرضى إلا إذا كان قد جرّد الخوف, والخشية لله وحده, واستوى عنده الخلق بالعدم.
أما مع خشيته للناس: فهيهات أن يقوم بواجبه, وهيهات أن يثبت على أمر الله.
* وقد قال تعالى في وصف حملة رسالاته, ومبلغيها عنه سبحانه حقًا: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ الله وَكَفَى بِالله حَسِيبًا} [الأحزاب: 39] .
فوصفهم أولًا: بأنهم يخشونه سبحانه, ثم وصفهم ثانيًا: بأنهم لا يخشون أحدًا إلا الله, فالقوم قد أفردوا الله وحده إفرادًا مطلقًا بالخوف, والخشية, وملئت خشيته قلوبَهم, واستحوذت عليها: فلم يعد فيها موضع_ ألبتة_ لخشية غيره, وبهذا, وبهذا وحده: يتمكنون من تبليغ رسالات الله كما أنزلت.
ـ وتفيد الآية: أن من خشى غير الله: فليس هو ممن يبلغون رسالات الله!.
قال ابن جرير_ رحمه الله_:[يقول تعالى ذكره: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل الذي يبلغون رسالات الله إلى من أرسلوا إليه, ويخافون الله في تركهم تبليغ ذلك إياهم, ولا يخافون أحدًا إلا الله, فإنهم إياه يرهبون إن هم قصروا عن تبليغهم رسالة الله إلى من أرسلوا إليه.
يقول لنبيه محمد: فمن أولئك الرسل الذين هذه صفتهم: فكن, ولا تخش أحدًا إلا الله, فإن الله يمنعك من جميع خلقه, ولا يمنعك أحد من خلقه منه إن أراد بك سوءًا] (1) .
(1) "تفسير الطبري22/ 15".