فهرس الكتاب

الصفحة 1595 من 2063

فالتوكل على الله: ثمرة من ثمار اليقين بأمر الله الكوني, فإذا تحقق اليقين بقلب العبد بأن كل ما ينزل به من بلاء_ موت فما دونه_ إنما هو من عند الله وحده, وبتقديره الأزلي قبل خلق الخلق, وأنه هو وحده سبحانه: النافع, الضار الذي بيده الأمر كله, وإليه يرجع الأمر كله, وإليه المنتهى: أورثه ذلك: التوكل على الله وحده في طلب ما يَأمل, ودفع ما يحذر ممّا هو ركيزة أخرى, ومعقد أساس آخر في الثبات على أمر الله.

ـ وهذا التوكل: هو توكل خاصة عباد الله من أنبيائه, ورسله, وورثتهم إذ(التوكل على الله: نوعان؛ أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد, وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته, ومصائبه الدنيوية.

والثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان, واليقين, والجهاد, والدعوة اليه.

وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله؛ فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله: كفاه النوع الأول تمام الكفاية, ومتي توكل عليه في النوع الأول دون الثاني: كفاه_ أيضًا_ لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ويرضاه.

فأعظم التوكل عليه: التوكل في الهداية, وتجريد التوحيد, ومتابعة الرسول, وجهاد أهل الباطل, فهذا: توكل الرسل, وخاصة أتباعهم) (1) .

* قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ الله قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] .

(أي: هل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب، وتعسر عليه المطلوب، واضطر للخلاص ممّا هو فيه إلا الله وحده؟، ومن {يكشف السوء} ، أي: البلاء، والشر، والنقمة إلا الله وحده؟! , ومن {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ} يمكنكم منها, ويمد لكم بالرزق, ويوصل إليكم نعمه) (2) .

(1) "الفوائد لابن القيم/86".

(2) "تفسير السعدي/439".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت