فهرس الكتاب
يقولونه: احتقارا لهم, واستخفافًا بعقولهم, وهم_ والله_: الأخِفَّاءُ عقولًا, الضعفاء أحلامًا, فإن الإيمان يوجب لصاحبه: الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام, فإن المؤمن المتوكل على الله الذي يعلم أنه ما من حول, ولا قوة, ولا استطاعة لأحد إلا بالله تعالى, وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة: لم ينفعوه, ولو اجتمعوا على أن يضروه: لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه, وعلم أنه على الحق, وأن الله تعالى حكيم, رحيم في كل ما قدّره, وقضاه: فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة, وكثرة, وكان واثقًا بربه, مطمئن القلب: لا فزعًا, ولا جبانًا, ولهذا قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ} : لا تغالب قوتَه قوةٌ, {حَكِيمٌ} فيما قضاه, وأجراه] (1) .
ــ والحديث عن التوكل, وعن أثره في الثبات على أمر الله: ممّا يضيق عنه المقام, وبالجملة هنا: فـ (متى شهد العبدُ أن ناصيتَه, ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يُصرفهم كيف يشاء: لم يَخفهم بعد ذلك, ولم يَرجهم, ولم يُنزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين, مربوبين، المتصرفُ فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرُهم، فمن شهد نفسه بهذا المشهد: صار فقرُهُ, وضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا له، ومتى شهد الناسَ كذلك: لم يفتقر إليهم، ولم يعلق أملَه, ورجاءَه بهم: فاستقام توحيدُهُ, وتوكلُهُ, وعبوديتُهُ، ولذا قال هود لقومه: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ) (2) .
ـ ثالثًا: تسليم العبد لما ينزل به.
(1) "تفسير السعدي/216: 217".
(2) "الفوائد لابن القيم/23".