وهذه ثمرة أخرى لليقين بأمر الله الكوني, فإذا تحقق اليقين بقلب العبد بأن كل ما ينزل به من بلاء إنما هو من عند الله وحده, وبتقديره الأزلي قبل خلق الخلق, وأنه هو وحده سبحانه: النافع, الضار الذي بيده الأمر كله, وإليه يرجع الأمر كله: أورثه ذلك: التسليم لما ينزل به, وترك المعارضة, والمنازعة ممّا يورثه بدوره: الثبات على أمر الله.
* قال الربيع بن صالح_ رحمه الله_:"لَمّا أُخِذَ سعيدُ بن جبير_ رضي الله عنه_: بكيتُ, فقال: ما يبكيك؟ , قلت: أبكي لِما أرى بك, ولِما تذهب."
قال: فلا تبك فإنه في علم الله أن يكون, ألم تسمع قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} الآية" (1) ."
يشير سعيد بن جبير الإمام العلم_ رحمه الله_ إلى قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22_23] .
ـ ومن اللطائف هنا: أنه (قد قيل إن هذه الآية: تتصل بما قبل, وهو أن الله سبحانه هَوّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل, وجرح, وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال, وما يقع فيها من خسران: فالكل مكتوب, مقدر لا مدفع له, وإنما على المرء: امتثال الأمر) (2) .
* وفي قوله تعالى في الآية السابقة: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} : أعظم التسلية التي تُنزل على قلب الموقن بردَ التسليم لكل ما يجري له, فيثبت عند نزول البلاء بل يرضى ويسلم سيما إن كان في سبيل الله, وعلى درب القيام بأمره.
(1) "تفسير القرطبي17/ 257: 258".
(2) "تفسير القرطبي17/ 258".