فتأمّل قولها_ رضي الله عنها_:"حطمه الناس": تستشعر عظيم صبره صلى الله عليه وسلم على ما كان يُلاقيه من معاناة في قيامه بهذا الدين, وهل كان شغله صلوات ربي وسلامه عليه غير الصبر على معاناة الخلق, وأمرهم بالمعروف, ونهيهم عن المنكر ؟! .
قال النووي_ رحمه الله_: [ قولها:"بعد ما حطمه الناس", قال الراوي في تفسيره: يقال حطم فلانًا أهلُه: إذا كَبُرَ فيهم, كأنه لِما حمله من أمورهم, وأثقالهم, والاعتناء بمصالحهم: صَيّروه شيخًا محطومًا, والحطم: الشيء اليابس ] (1) .
ـ وقد قال تعالى: { يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [ لقمان: 17 ] .
فقوله تعالى: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } بعد قوله: { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ } : يُوضح أن القيام بالأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر يُصاحبه, ويَتبعه ما يَلزم له الصبر, ولا يُدفع بغيره .
وقوله: { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } يدل على أن بالصبر يُحصل العبد_ مَنًّا من الله وفضلًا_ العزيمة التي يَثبت بها على القيام بأمر الله وإلا: فلا ثبات .
* وعندما جاء رجل من مراد إلى أويس القرني_ رحمه الله_, فقال له:"السلام عليكم, قال: وعليكم, قال: كيف أنتم يا أويس ؟, قال: الحمد لله ."
قال: كيف الزمان عليكم ؟ .
قال: لا تسأل الرجل إذا أمسى: لم ير أنه يصبح, وإذا أصبح: لم ير أنه يمسي .
يا أخا مراد, إن الموت لم يبق لمؤمن فرحًا .
يا أخا مراد, إن عرفان المؤمن بحقوق الله: لم تبق له فضة, ولا ذهبًا .
(1) "شرح مسلم6/13".