قال ابن كثير_ رحمه الله_:[ قوله: { ولا تهنوا في ابتغاء القوم } , أي: تضعفوا في طلب عدوكم بل: جدّوا فيهم, وقاتلوهم, واقعدوا لهم كل مرصد, { إن تكونوا تألمون فإنهم يالمون كما تألمون } , أي: كما يصيبكم الجراح, والقتل: كذلك يحصل لهم كما قال تعالى: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } ثم قال تعالى: {وترجون من الله ما لا يرجون } , أي: أنتم, وإياهم: سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة, والنصر, والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه, وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم, وهو: وعد حق, وخبر صدق, وهم لا يرجون شيئًا من ذلك: فأنتم أولى بالجهاد منهم, وأشد رغبة فيه, وفي إقامة كلمة الله, وإعلائها .
{ وكان الله عليمًا حكيمًا } , أي: هو أعلم, وأحكم فيما يقدره, ويقضيه, وينفذه, ويمضيه من أحكامه الكونية, والشرعية وهو المحمود على كل حال ] (1) .
ـ فتضمنت هذه الآية السابقة: أبلغ ما يكون من الباعث, والدافع على الصبر في الجهاد في سبيل الله, فبعد أن نهى الله المؤمنين المجاهدين عن الضعف, والاستكانة في طلب عدوهم عند نزول المحن, والبلاء بهم: خاطبهم بشيئين:
( الأول: أن ما يصيبكم من الألم, والتعب, والجراح ونحو ذلك: فإنه يصيب أعداءكم, فليس من المروءة الإنسانية, والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم, وأنتم وهم: قد تساويتم فيما يوجب ذلك لأن العادة الجارية أن لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام, وانتصر عليه الأعداء على الدوام لا من يُدال له مرة, ويُدال عليه أخرى .
الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون, فترجون الفوز بثوابه, والنجاة من عقابه بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية, وآمال رفيعة من نصر دين الله, وإقامة شرعه, واتساع دائرة الإسلام, وهداية الضالين, وقمع أعداء الدين .
(1) "تفسير ابن كثير1/551".