فهرس الكتاب
وهنا:(يخبر تعالى عن تمام حكمته, وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال: إنه مؤمن, وادعى لنفسه الإيمان: أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن, والمحن, ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم, وفروعه, فإنهم لو كان الأمر كذلك: لم يتميز الصادق من الكاذب, والمحق من المبطل.
ولكن سنته تعالى, وعادته في الأولين, وفي هذه الأمه: أن يبتليهم بالسراء والضراء, والعسر واليسر, والمنشط والمكره, والغنى والفقر, وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان, ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل, ونحو ذلك من الفتن التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة, والشهوات المعارضة للإرادة) (1) .
ـ وقوله تعالى في آية العنكبوت: {أَحَسِبَ النَّاسُ} : كقوله تعالى في الآيات السابقة: {أَمْ حَسِبْتُمْ} _ على الأظهر_: استفهامٌ استنكاري حيث يستنكر المولى سبحانه وتعالى هذا الحسبان الذي يزعمه, ويتصوره البعض من أنه من الممكن أن يُترك أحدٌ ودعواه"الإيمان"بغير ابتلاء.
وفي هذا الاستفهام الاستنكاري: استبعاد شديد لهذا التصور, والحسبان, وتخطئة له, ولأصحابه, ومفهوم الكلام_ المُصرّح به بعد_: أنه لا يترك أحد ودعواه"الإيمان"حتى يُبتلى امتحانًا, واختبارًا لما ادّعاه.
ثم أكد الله تعالى المراد هنا ببيان أن سنته سبحانه وتعالى قد جرت بابتلاء من قبل ممّن ادعى"الإيمان", وانتسب إليه: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} , وفي آية البقرة السابقة: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله} .
(1) "تفسير السعدي/454".