قال ابن جرير_ رحمه الله_: [فمعنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله, ورسله تدخلون الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء, والرسل من الشدائد, والمحن, والاختبار, فتبتلوا بما ابتلوا, واختبروا به من {البأساء} , وهو: شدة الحاجة, والفاقة, {والضراء} , وهي: العلل, والأوصاب ولم تزلزلوا زلزالهم, يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف, والرعب: شدةٌ, وجهد حتى يستبطىء القوم نصر الله إياهم, فيقولون: متى الله ناصرنا] (1) .
وقال ابن كثير_ رحمه الله_ في قوله: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} , قال:
[استفهام إنكار, ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان ... ] (2) .
ـ وفي حديث عائشة أم المؤمنين_ رضي الله عنها_ في أول بدء الوحي, قالت:
"أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ..."
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن عم خديجة, وكان امرأً تنصر في الجاهلية, وكان يكتب الكتاب العبراني, فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب, وكان شيخًا كبيرًا قد عمي, فقالت له خديجة: يا ابن عم, اسمع من ابن أخيك, فقال له ورقة: يا ابن أخي, ماذا ترى؟.
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى, فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى, يا ليتني فيها جذع, ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟!!!.
قال: نعم, لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي, وإن يدركني يومك: أنصرك نصرًا مؤزرًا" (3) ."
فمنذ اللحظة الأولى لهذه الدعوة يُعلم اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن الابتلاء: قدر هذه الدعوة, وقدر أهلها.
(1) "تفسير الطبري2/ 341".
(2) "تفسير ابن كثير3/ 405".
(3) "البخاري1/ 4, 6/ 2561".