فإذا خَلُصت النفوسُ للحق وحده, وتطهرت من شوائبها, ولم يعد لحظوظها أثر في حمل الحق, والقيام به: استحقت من الله تعالى التمكين, والظهور, والعاقبة, فكان الابتلاء: بوابة, ومدخل التمكين, والظهور, والعاقبة التي لا تلج إلا من خلاله, ولله الحكمة البالغة.
قال ابن القيم_ رحمه الله_: [أول الأمر: ابتلاء, وامتحان, ووسطه: صبر, وتوكل, وآخره: هداية, ونصر] (1) .
ــ ومن حكم الابتلاء_ كذلك_ أن يُدرك العبد الصادق قيمة الحق الذي يحمله, فهو يحمل أمانة الله الغالية التي أشفقت منها السموات, والأرض, والجبال.
فعندما يرى العبد: أن أعداء هذا الحق يسعون لفتنته عنه بكل سبيل, وبكل ما أُوتوا من قوة وجبروت, وأنه كلما ازداد تمسكًا بهذا الحق_ علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا_: كلما ازدادت نقمتهم عليه, وزاد بلاؤهم فوق رأسه: علم أن لهذا الحق شأنًا ليس لغيره, وأن هذه الدعوة لا كالدعوات.
وإذا صبر العبد على البلاء, وتحمل المحن في سبيل هذا الحق: زادت قيمة الحق_ أيضًا_ في نفسه, وصَعُبَ, وعَسُرَ عليه أن يُفرط فيه بعدُ بأي مقابل ما وإن كان الدنيا بأسرها بل يكون أحرص عليه من كل شيء حتى من نفسه التي بين جنبيه عاضًّا عليه بالنواجذ إلى أن يلقى الله.
ــ ومن حكم الابتلاء_ أيضًا_ أن تستفرغ الطائفة المنصورة كلَّ ما لديها من جهد, ووسع حتى تُعذر إلى ربها ومولاها, فلا يبقى لديها شيء من الجهد لم تبذله في سبيل القيام بأمر الله, وما يحبه, ويرضاه.
* قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .
(1) "شفاء العليل/247".