[ قوله: { ولنبينه لقوم يعلمون } ، أي: لنوضحه لقوم يعلمون الحق: فيتبعونه، والباطل: فيتجنبونه، فلله تعالى الحكمة البالغة في إضلال أولئك، وبيان الحق لهؤلاء كقوله تعالى: { يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا } ، الآية، وكقوله: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } ، وقال تعالى: { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلًا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو } ، وقال: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا } ، وقال تعالى: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد } ، وغير ذلك من الايات الدالة على أنه تعالى أنزل القرآن هدى للمتقين، وأنه يضل به من يشاء، ويهدي به من يشاء، ولهذا قال ها هنا: { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } ] (1) .
ــ فالحق قد يكون أظهر من الشمس في رابعة النهار، ورغم ذلك: تعمى عن رؤيته كثير من الأعين لما ران عليها من سواد الشبهات أو الشهوات التي تحجب عنها الرؤية بل تجعلها ترى الحق: باطلًا، والباطل: حقًا .
وقد بيّن تعالى أن الحجة الظاهرة، البينة التي تضارع الشمس: وضوحًا، وظهورًا، وانكشافًا، والتي يخضع لها أقوام وينقادون لصولتها: هي نفسها تكون سببًا لفتنة آخرين، وإضلالهم عن الحق بما كسبته قلوبهم، وأيديهم .
* قال تعالى: { وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا } [ المائدة: 64 ] .
(1) "تفسير ابن كثير2/163: 164".