فهرس الكتاب
[ومن عقوباتها: أنها تعمي القلب, فإن لم تعمه: أضعفت بصيرته ولا بد_ وقد تقدم بيان أنها تضعفه ولا بد_, فإذا عمي القلب, وضعف: فاته من معرفة الهدى, وقوته على تنفيذه في نفسه, وفي غيره بحسب ضعف بصيرته, وقوته.
فإن الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل, وإيثاره عليه.
وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا, والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين, وهما اللذين أثنى الله سبحانه وتعالى على أنبيائه بهما في قوله:
{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} [ص: 45] .
فـ {الأَيْدِي} : القوي في تنفيذ الحق, {وَالأَبْصَارِ} : البصائر في الدين, فوصفهم بكمال إدراك الحق, وكمال تنفيذه ...
فمعلوم أن المعاصي, والذنوب: تعمي بصيرة القلب: فلا يدرك الحق كما ينبغي, وتضعف قوته, وعزيمته: فلا يصبر عليه بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره: فيدرك الباطل: حقًا, والحق: باطلًا, والمعروف: منكرًا, والمنكر: معروفًا, فينتكس في سيره, ويرجع عن سفره إلى الله, والدار الآخرة إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا, واطمأنت بها] (1) .
ــ وأما عن إضعاف"المعصية"للقوة العلمية خاصة:
فإن"المعصية": ظلمة, وسواد, و"الحق": نور, وضياء, فهما ضدان لا يجتمعان في محل, ومع كثرة المعاصي, وتتابعها على القلب: يُرفع النور, والضياء, وتَحل الظلمة, والسواد, ومع الظلمة, والسواد: الران ثم الطبع, والختم, فأنّى للعبد أن يميز بين حق, وباطل خاصة عند ورود الشبهات المزخرفة؟! , وأنّى أن يصل إليه هدى أو رشاد؟!.
(1) "الداء والدواء/173: 175".