فهرس الكتاب
* فعن حذيفة_ رضي الله عنه_ عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:"تُعرَض الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلبٍ أُشربها: نُكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها: نُكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض بمثل الصفا فلا تضرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا (1) كالكوز مجخيًَّا (2) : لا يعرف معروفًا, ولا يُنكر منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه" (3) .
ـ فنصّ صلى الله عليه وسلم على أن كثرة الذنوب, والمعاصي تُضعف القوة العلمية التي يَستطيع بها العبد التمييز بين الحق, والباطل: فيختلط عند هذا المسرف: الحق بالباطل بل قد يشتد هذا الضعف في البصيرة حتى يعدم العبد التمييز_ أصلًا_ بين المعروف, والمنكر!.
بل في قوله صلى الله عليه وسلم:"إلا ما أشرب من هواه": إشارة إلى أنه قد يرى المعروف منكرًا, والمنكر: معروفًا, والله أعلم!.
قال الإمام ابن القيم_ رحمه الله_: [قسّم_ أي النبي صلى الله عليه وسلم_ القلوب عند عرضها عليها_ أي على الفتن_ إلى قسمين:
قلب إذا عرضت عليه فتنة: أشربها كما يشرب السفنج الماء, فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود, وينتكس، وهو معنى قوله:"كالكوز مجخيًا", أى: مكبوبًا, منكوسًا، فإذا أسود وانتكس: عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطيران متراميان به إلى الهلاك.
أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر: فلا يعرف معروفًا, ولا ينكر منكرًا، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا، والسنة بدعة, والبدعة سنة، والحق باطلًا, والباطل حقًا.
الثانى: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وانقياده للهوى واتباعه له.
(1) أي: صار كلون الرماد من الربدة.
(2) أي: مائلًا, منكوسًا.
(3) "مسلم1/ 128: 129".