* العوام من الهمج, الرعاع, أتباع كل ناعق, ووقود كل فتنة ممن لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يركنوا إلى ركن وثيق حيث همهم الأكبر: إشباع غرائزهم, وقضاء شهواتهم, ونيل لذائذهم لا يعرفون للحياة معنىً غير هذا.
ومن البدهي: أن يكون هؤلاء في خندق"الطاغوت", وحِلفه, وأن يكونوا هم قطيعه الذي يقوده حيث شاء, وعصاته التي يبطش بها بكل من أرد القيام بأمر الله, والثبات عليه.
وهؤلاء: أصناف شتى جمعهم حبُ الدنيا, والتعلق بها من مال, ومنصب, وجاه, ونساء, ومطعم, ومشرب, وملبس ... إلخ من مظاهر الدنيا, وأعراضها, وحظوظها الفانية.
وما أعجب, وأصدق قول الإمام ابن بطة_ رحمه الله_:"والناس في زماننا هذا أسراب كالطير, يتبع بعضهم بعضًا لو ظهر لهم من يدّعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء أو من يدّعي الربويبة: لوجد على ذلك أتباعًا, وأشياعًا" (1) .
وإذا كان كلامه_ رحمه الله_ عن زمنه؛ فهل يستغرب حال الناس اليوم_ إلا من رحم الله_ من الوقوف في صف الباطل, وفي وجه الحق بصلابة, وعناد, وتبجح؟!.
* ويُساهم في هذا الواقع, ويُكرسه بفتنة هي أشدّ على الكثيرين ممّا سبق: البعضُ ممن عرف الحق أو قام بشيء منه ولكنه عجز عن القيام به كاملًا وعلى الوجه الذي يحبه الله, ويرضاه لسبب أو لآخر: فراح ينشر الشبهات, والأراجيف لتثبيط كل من أراد القيام بأمر الله حقًا على الوجه الذي أمر به_ علمًا وعملًا, دعوةً وجهادًا_: لِيَسلم له حاله, وتبقى له مكتسباته, ولا يُتهم!.
وإنما كانت هذه الفتنة أشد من أخواتها السابقات لما يمثله التلبيس, والتدليس من خصوصية في إخفاء الحق, وصدّ الناس عنه, ورحم الله الإمام الفذ ابن تيمية حين يقول: [ولا ينفق الباطل في الوجود إلا بشوب من الحق] (2) .
ـ وبهذا التركيب العتيد العديد الشديد؛ أضحى الأمر كما قال القائل:
(1) "الإبانة1/ 272".
(2) "الفتاوى35/ 190".