فهرس الكتاب
[فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك وسمعناه، وعلمنا أكثره وشاهدناه، ولو أن رجلًا ممن وهب الله له عقلًا صحيحًا, وبصرًا نافذًًا؛ فأمعن نظره، وردّد فكره، وتأمّل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد: لتبين له أن الأكثر, والأعم, والأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدّوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة، وانقلبوا عن صحيح الحجة.
ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا ينكرون] (1) .
ــ والجملة الأخيرة من كلام ابن بطة_ رحمه الله_: هي إشارة جلية إلى فتنة ضغط الواقع حيث ينضغط الكثيرون بضغط الواقع هذا ومن خلال طوق الجاهلية المحكم بعناصره التي أشرنا إليها والتي تُحيط بالعبد من كل مكان إحاطة السوار بالمعصم: فيسعون_ وقد انكسرت قلوبُهم, وهزمت نفوسُهم, وناخت كواهلهم تحت مطارق هذا الضغط العنيف_ لنفي تلك الاتهامات عن أنفسهم بل والتبروء منها, ومن أصحابها, وإظهار أنهم أصحاب منهج مغاير يقوم على"الاعتدال", و"الواقعية", وينبذ"التشدد", و"المثالية الخيالية"! , ويلتقي مع الواقع القائم: فلا يحاربه أو يسعى لاستبداله وإنما هو الإصلاح"الرقيق"الذي ينطلق من هذا الواقع, ويسايره, ويرجع إليه لا غير, وهم ينسكبون_ لذلك_ في كل قالب, ويطاوعون لكل ضغط ولكن: لا يعوزهم الدليل!.
(1) "الإبانة1/ 188".