فهرس الكتاب

الصفحة 1775 من 2063

والمسلمون مع ذلك كله في غاية الثبات على دينهم, والمضي قدمًا فيما هم عليه بل وفي غاية الاستعلاء على ذلك الواقع الجاهلي!.

قال القرطبي_ رحمه الله_:[إن قرنه صلى الله عليه وسلم إنما فُضِّل لأنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم، وتمسكهم بدينهم.

وإن أواخر هذه الأمة: إذا أقاموا الدين, وتمسكوا به, وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر, والفسق، والهرج, والمعاصي, والكبائر: كانوا عند ذلك_ أيضًا_: غرباء، وزكت أعمالُهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم، وممّا يشهد لهذا: قوله عليه الصلاة والسلام:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء"] (1) .

ــ وأعظم ما تكون غربة الإسلام, وأهله القائمين به_ علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا_: (إذا ارتد الداخلون فيه عنه، وقد قال تعالى: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} : فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك) (2) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [قد تكون الغربة في بعض شرائعه, وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة، ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد، ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله, فإن إظهاره, والأمر به, والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة, والأعوان] (3) .

وقد قال شمس الحق آبادي_ رحمه الله_: ["فطوبى للغرباء من أمتي": يريد المنفردين عن أهل زمانهم] (4) .

ــ وقد وصف الشارع هؤلاء الغرباء بجملة من الأوصاف؛ منها:

(1) "تفسير القرطبي4/ 172".

(2) "الفتاى لابن تيمية18/ 295: 297".

(3) "الفتاوى18/ 298".

(4) "عون المعبود11/ 333".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت