فكنتُ على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه إذ حكى عن نفسه فقال: عجبت من حالي في سفري, وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقًا أو مخالفًا: دعاني إلى متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله, والشهادة له، فإن كنت صدقته فيما يقول, وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان: سمّاني موافقًا وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله: سمّاني مخالفًا، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد: سمّاني خارجيًا، وإن قرأت عليه حديثًا في التوحيد: سمّاني مشبهًا، وإن كان في الرؤية: سمّاني سالميًا، وإن كان في الإيمان: سمّاني مرجئيًا، وإن كان في الأعمال: سمّاني قدريًا، وإن كان في المعرفة: سمّاني كراميًا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر: سمّاني ناصبيًا، وإن كان في فضائل أهل البيت: سمّاني رافضيًا، وإن سكت عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما: سمّاني ظاهريًا، وإن أجبت بغيرهما: سمّاني باطنيًا، وإن أجبت بتأويل: سمّاني أشعريًا, وإن جحدتهما: سمّاني معتزليًا، وإن كان في السنن مثل القراءة: سمّاني شفعويًا، وإن كان في القنوت: سمّاني حنفيًا، وإن كان في القرآن: سمّاني حنبليًا، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة: قالوا: طعن في تزكيتهم ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون عليّ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم: عاداني غيره، وإن داهنت جماعتهم: أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عنّي من الله شيئًا, وإني مستمسك بالكتاب والسنة, وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم (1) .
(1) انظر:"تذكرة الحفاظ3/ 1166: 1167".