هذا تمام الحكاية, فكأنه_ رحمه الله_ تكلم على لسان الجميع, فقلمّا تجد عالمًا مشهورًا أو فاضلًا مذكورًا إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو بعضها لأن الهوى قد يداخل المخالف بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها، والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك: حُمل على صاحب السنة أنه غير صاحبها، ورُجع بالتشنيع عليه, والتقبيح لقوله وفعله حتى يُنسب هذه المناسب.
وقد نُقل عن سيد العباد بعد الصحابة أويس القرني, أنه قال:"إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقًا، نأمرهم بالمعروف: فيشتمون أعراضنا, ويجدون في ذلك أعوانًا من الفاسقين حتى_ والله_ لقد رموني بالعظائم، وأيم الله: لا أدع أن أقوم فيهم بحقه".
فمن هذا الباب: يرجع الإسلام غريبًا كما بدأ لأن المؤالف فيه على وصفه الأول: قليل، فصار المخالف هو الكثير، فاندرست رسومُ السنة حتى مدّت البدعُ أعناقها، فأشكل مرماها على الجمهور: فظهر مصداق الحديث الصحيح] (1) .
ـ وهذا الكلام من الشاطبي_ رحمه الله_, وإن كان أنموذجًا بينًا معبّرًا غاية التعبير عن غربة الدين, وأثر ضغط الواقع المخالف على كاهل كل من أراد الردّ إلى الأمر الأول إلا أنه دون ما فيه"الإسلام"اليوم بكثير جدًا؛ فالأمر اليوم: أدهى, وأمرّ إذ كلام الشاطبي مع بقاء الأصل محفوظًا, مصانًا من التحاكم إلى شرع الله, وعلو أحكامه, وهيمنتها على الحياة, فكيف مع ضياع هذا الأصل بالكلية بل وكون الانتساب إليه_ فضلًا عن الدعوة له_ الجُرم الأعظم الذي لا يُسامح صاحبه بأي حال وإنما يؤخذ عليه بالنواصي, والأقدام؟!!!.
(1) "الاعتصام1/ 19: 22".