الرابعة: أن اشتداد الغربة بالدين, وأهله القائمين به إلى الدرجة التي تجعل العبد كالقابض على الجمر: ليس مبررًا للنكول, والنكوص عن أمر الله, والحيدة عنه, والتفريط فيه, وأنه ليس ثمت غير الاستمرار في القبض على الجمر.
الخامسة: أن ضغط الواقع الشديد من هذه الغربة المستحكمة: لا يُدفع بغير"الصبر"لا بالأخذ في بُنيّات الطريق, والعدول عن الجادة.
ـ ولذلك كله نَسبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الأيام لـ:"الصبر"كما سبق في حديث أبي ثعلبة الخشني_رضي الله عنه_:"إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه: مثل قبض على الجمر ..."الحديث.
وإنما نُسبت هذه الأيام للصبر لأن العبد بدون الصبر بل والصبر العظيم الذي يُضارع صبر القابض على الجمر: هيهات ثم هيهات أن يَسلم له دينه مع هذه المحن, والأهوال المحيطة به.
قال الجعبري_ رحمه الله_: [أي هذا الزمان: زمان الصبر؛ لأنه قد أُنْكِر المعروف، وعُرِف المنكر، وفسدت النيَّات، وظهرت الخيانات، وأوذي المحق، وأكرم المبطل، فمَن يسمح لك بالحالة التي لزومها في الشدة كالقابض على جمر النار] (1) .
* وقد جاء عن حذيفة_ رضي الله عنه_:"أنه أخذ حجرين, فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ , قالوا: يا أبا عبد الله, ما نرى بينهما من النور إلا قليلًا."
قال: والذي نفسي بيده, لتظهرن البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا تُرك منها شيء, قالوا: تركت السنة" (2) ."
(1) "شرح المشكاة للقاري10/ 98".
(2) "الاعتصام للشاطبي1/ 59".