فعن أبي عثمان النهدي, قال:"لمّا جاء المغيرة إلى القنطرة، فعبرها إلى أهل فارس أجلسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيروا من شارتهم تقوية لتهاونهم، فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم، عليهم التيجان, والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة_ والغلوة مسافة رمية سهم وتقدر بثلاثمائة أو أربعمائة خطوة_ لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي على غلوة، وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي حتى يجلس على سريره, ووسادته، فوثبوا عليه, فترتروه, وأنزلوه, ومغثوه_ أي: صرعوه_, فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضًا إلا أن يكون محاربًا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى, وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني, اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن مُلْكًَا لا يقوم على هذه السيرة, ولا على هذه العقول".
كذلك وقف ربعي بن عامر مع رستم هذا, وحاشيته قبل وقعة القادسية:
"أرسل سعدُ بن أبي وقاص قبل القادسية ربعيَّ بن عامر رسولًا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية, وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق, والزرابي, والحرير, وأظهر اليواقيت, واللآلىء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة, وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه, وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت."
فقال رستم: ائذنوا له, فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها.
فقال له رستم: ما جاء بكم؟.