و (الصحابة قد كانوا حازوا رتبة التوكل, ورؤية إنعام المنعم من المنعم لا من السبب ومع ذلك: فلم يتركوا الدخول في الأسباب العادية التى نُدبوا إليها, ولم يتركهم النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الحالة التى تُسقط حكمَ الأسباب, وتقضى بانخرام العوائد: فدل على أنها العزائم التى جاء الشرع بها) (1) .
قال الإمام ابن القيم_ رحمه الله_ في قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {والله يعصمك من الناس} , قال: [فإن هذا الضمان له من ربه تبارك وتعالى: لا يناقض احتراسه من الناس, ولا ينافيه كما أن إخبار الله سبحانه له بأنه يظهر دينه على الدين كله, ويُعليه: لا يناقض أمره بالقتال, وإعداد العدة, والقوة, ورباط الخيل, والأخذ بالجد, والحذر, والاحتراس من عدوه, ومحاربته بأنواع الحرب, والتورية] (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ عن ترك الأسباب:
[وهذا وأمثاله من قلة العلم بسنة الله في خلقه, وأمره, فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب, وشرع للعباد أسبابًا ينالون بها مغفرته, ورحمته, وثوابه في الدنيا, والآخرة.
فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمر الله به من الأسباب يحصل مطلوبه, وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسبابًا لها: فهو غالط] (3) .
ــ أما التوكل الحق: فلا ينافي الأخذ بالأسباب بل قد جاء النص على أن التوكل الحق: هو الذي يقوم على الأخذ بالأسباب:
* قال صلى الله عليه وسلم:"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله: لرزقتم كما ترزق الطير: تغدو خماصًا, وتروح بطانًا" (4) .
(1) "الموافقات للشاطبي2/ 296", وانظر في بحث التوكل, والأسباب:"الموافقات1/ 205: 211."
(2) "زاد المعاد3/ 480".
(3) "الفتاوى8/ 530".
(4) "صحيح ابن حبان2/ 509","المستدرك4/ 354","الترمذي4/ 573","ابن ماجه2/ 1394", وصححه الحاكم, وقال الترمذي: [حسن صحيح] .