فـ (الحق أن من وثق بالله, وأيقن أن قضاءه عليه ماضٍ: لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته, وسنة رسوله, فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين, ولبس على رأسه المغفر, وأقعد الرماة على فم الشعب, وخَنْدقَ حول المدينة, وأَذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة, وهاجر هو, وتعاطى أسباب الأكل والشرب, وادّخر لأهله قوتهم, ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك, وقال للذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ , قال: اعقلها, وتوكل: فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل) (1) .
ـ وقد عقد الإمام البخاري_ رحمه الله_ في كتاب"الجهاد"من صحيحه بابًا؛ فقال:
"باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله" (2) .
ثم ساق بسنده عن عائشة_ رضي الله عنها_, تقول:
"كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر, فلمّا قدم المدينة, قال: ليت رجلًا من أصحابي صالحًا يحرسني الليلة؛ إذ سمعنا صوت سلاح, فقال: من هذا؟."
فقال: أنا سعد بن أبي وقاص, جئت لأحرسك, ونام النبي صلى الله عليه وسلم" (3) ."
قال الحافظ ابن حجر_ رحمه الله_:
[وفي الحديث: الأخذ بالحذر, والاحتراس من العدو, وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل ...
وإنما عانى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع قوة توكله للاستنان به في ذلك, وقد ظاهر بين درعين مع أنهم كانوا إذا اشتد البأس كان أمام الكل, وأيضًا: فالتوكل لا ينافي تعاطي الأسباب لأن التوكل عمل القلب, وهي عمل البدن ...
وقال القرطبي: ليس في الآية (4) ما ينافي الحراسة كما أن إعلام الله نصر دينه, وإظهاره ما يمنع الأمر بالقتال, وإعداد العدد ... ] (5) .
(1) "فتح الباري10/ 212".
(2) "صحيح البخاري3/ 1048".
(3) "البخاري3/ 1048","مسلم4/ 1875".
(4) أي: قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} الآية.
(5) "فتح الباري6/ 82".