فهرس الكتاب
وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابها بما كسبوا، وغطى على قلوبهم، فطبع عليها بذنوبهم، وأنه نَسِيَهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضَيَّعهم كما ضيعوا أمره، ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: {ومن يُهِن الله فما له من مُكْرِم} ، فإنهم لما هان عليهم السجود له, واستخفوا به, ولم يفعلوه: أهانهم الله، فلم يكن لهم من مُكْرِم بعد أن أهانهم الله، ومن ذا يكرم من أهانه الله؟ , أو يهين من أكرمه الله؟] (1) .
وقال_ رحمه الله_ أيضًا_:[ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم, وتحل النقم فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب_ رضي الله عنه_:"ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة".
وقد قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير} ، وقال تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} .
فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نِعَمَه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَيَّر: غُيِّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربك بِظَلاَّم للعبيد.
فإن غيّر المعصية بالطاعة: غيّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز, وقال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد بقوم سوءًا فلا مَرَدّ له، ومالهم من دونه من وال} ] (2) .
(1) "الجواب الكافي/134: 135".
(2) "الجواب الكافي/141: 142".