[من المعلوم أن العبد وإن آمن بالآخرة: فإنه طالبٌ في الدنيا لما لا بد له منه من جلب النفع, ودفع الضر بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح, فإذا اعتقد أن الدين الحق, واتباع الهدى, والاستقامة على التوحيد, ومتابعة السنة ينافي ذلك, وأنه يعادي جميع أهل الأرض, ويتعرّض لما لا يقدر عليه من البلاء, وفوات حظوظه, ومنافعه العاجلة: لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه, وتجرده لله ورسوله, فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين بل قد يدخل مع الظالمين بل مع المنافقين وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله كما قال صلى الله عليه وسلم:"بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا, ويمسى كافرًا ويصبح مؤمنًا يبيع دينه بعرض من الدنيا".
وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه من حصول ضرر لا يحتمله, وفوات منفعة لا بد له منها: لم يُقدم على احتمال هذا الضرر, ولا تفويت تلك المنفعة!.
فسبحان الله, كم صدّت هذه الفتنة الكثيرَ من الخلق بل أكثرهم عن القيام بحقيقة الدين, وأصلُها: ناشىء من جهلين كبيرين: جهل بحقيقة الدين, وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس, وكمالها, وبه ابتهاجها والتذاذها, فيتولد من بين هذين الجهلين: إعراضه عن القيام بحقيقة الدين, وعن طلب حقيقة النعيم.
ومعلوم أن كمال العبد: هو بأن يكون عارفًا بالنعيم الذي يَطلبه, والعمل الذي يُوصل إليه, وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل, ومحبة صادقة لذلك النعيم] (1) .
(1) "إغاثة اللهفان2/ 179".