الوجه الرابع: الحسد؛ وذلك إذا كان غيره هو الذي بيّن له الحق؛ فيرى أن اعترافه بذلك الحق يكون اعترافًا لذلك المبين بالفضل, والعلم, والإصابة؛ فيعظم ذاك في عيون الناس, ولعله يتبعه كثير منهم, وإنك لتجد من المنتسبين إلى العلم من يحرص على تخطئة غيره من العلماء ولو بالباطل حسدًا منه لهم, ومحاولة لحط منزلتهم عند الناس) (1) .
ــ إذًا: (فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو:"الهوى"الذي يجعل كل صاحب وجهة نظر يُصرّ عليها مهما تبين له وجه الحق في غيرها, وإنما هو وضع"الذات"في كفة، و"الحق"في كفة، وترجيح الذات على الحق ابتداء) (2) .
مع كون ذلك كما أشرنا: عقوبة قدرية لمتبع"الهوى", وهو لا يشعر!.
* وقد جاء من حديث معاوية_ رضي الله عنه_, قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فذكر:
"أن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء كلها في النار إلا واحدة, وهي الجماعة ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلَب بصاحبه لا يدع منه عرقًا, ولا مفصلًا إلا دخله" (3) .
فدلّ قوله صلى الله عليه وسلم:"يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلَب بصاحبه لا يدع منه عرقًا, ولا مفصلًا إلا دخله": على شدّة تمكّن"الهوى"من أتباعه, واستحكامه في قلوبهم فلو جئتهم بكل آية: فليس لهم عنه محيد وإن تناطحت الجبال بين أيديهم, ومن يضلل الله: فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وقد قيل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
ــ وأعظم من ذلك, وأطم: مسارعة أهل الأهواء إلي رمي أهل الحق بما هم أهله, ومعدنه من اتباع"الهوى", ولله في خلقه شؤون, وله سبحانه الحكمة البالغة.
(1) "التنكيل للمعلمي2/ 180: 181".
(2) "في ظلال القرآن/1529".
(3) "السنة لابن أبي عاصم1/ 7".